في اليوم التاسع والأربعين من الحرب على غزة، بدأت الهدنة الإنسانيّة التي ستستمر 4 أربعة أيام، يتم خلالها تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل. هناك مشاعر متناقضة تملأ قلوب الناس، عيونهم حائرة متجهمة ووجوههم جامدة.  ربما هو الغضب أو الحزن، أو الفرح المؤجل حتى عودة النازحين لمدنهم ومنازلهم.

الأمل الآن هو الوقف النهائي لإطلاق النار، أما الخوف فهو من المعلوم أو المجهول على حدّ سواء، ومحاولة تفقد البيوت والمفقودين والغائبين. أما الفرح، فربما سببه إمكانيّة الحصول على قسط من الراحة، لكن لم يتوقف بحث الغزيين عن مياه الشرب، وسعيهم لجمع ما تبقى من مواد غذائية وسلع وطحين للبقاء على قيد الحياة.

هذا حال الجنوب، الذي يقال أنه “منطقة آمنة”، لكن من تبقى في مدينة غزة وشمال غزة، فالحياة بالنسبة لهم أكثر قسوةً ورعباً، وبعد تداول صور الدمار هناك، ازداد خوف الناس، سواء من بقي له بيت أو من لم يعد هناك أي أثر لبيته. 

نحن بحاجة إلى فرصة لتنفس بعض الهواء النقي بما يكفي لنتذكر أننا على قيد الحياة، وأن نُخرج حزننا وألمنا وخوفنا للحظة توقف فيها الموت والدمار. نحاول الآن فهم معاناتنا وشدة الخسارة التي تعرض لها أهل غزة ،آملين بحياة ومستقبل يليق بتضحياتنا.

أعتقد النازحون من الشمال مع بداية الهدنة الإنسانية  أن من حقهم العودة لمنازلهم، لكن منعتهم الجيش الإسرائيليّ وقُتل مواطنون وأصيب آخرون، ومع ذلك تمكن العديدون من العودة لتفقد بيوتهم المدمّرة،  كما تمكن مئات الفلسطينيين من العودة إلى غزة معبر رفح، أولئك الذين كانوا عالقين في مصر خلال الحرب.

ومع اليوم الأول للهدنة الإنسانيّة، تمت زيادة  كميات المساعدات، ووصل عدد الشاحنات التي تدخل القطاع (200) شاحنة يومياً، وكذلك كميات من الوقود وصلت إلى (150 ألف لتر يومياً) وكميات أكبر من غاز الطهي. الكميات لا تكفي، لكنها تعطي أملاً غير محسوس  بتحسن أحوال الناس.

منذ أيام بدأت الدول العربية بتقديم مساعدات طبية، وإقامة مستشفيات ميدانية في جنوب القطاع، المملكة الاردنية أقامت مستشفى ميداني في مدينة خان يونس بجوار مستشفى ناصر، والإمارات العربية المتحدة على وشك الانتهاء من إقامة مستشفى ميداني كبير في مدينة رفح داخل الملعب البلدي لكرة القدم،  وهناك أخبار عن قيام دولة قطر بإقامة مستشفي ميداني في المحافظة الوسطى في مخيم النصيرات،إضافة إلى إقامة تركيا مستشفى ميداني في مدينة رفح المصرية.

لا أريد التشكيك في نوايا الدول والحاجة إلى دعم القطاع الصحي المدمر، خاصة بعد استهداف المستشفيات الكبرى في مدينة غزة والشمال (الشفاء والاندونيسي والقدس والمعمداني)، لكن كان من الممكن بذل جهود أكبر في الضغط على إسرائيل لحماية وإنقاذ مستشفيات غزة والشمال.

كيف ستتوقف الحرب وإسرائيل ستستأنف القتل والتدمير في قطاع غزة بعد انتهاء الهدنة (تلك التي قيل أن حدها الأقصى 10 أيام) ؟، هل تتنازل إسرائيل عن هدف تصفية “حركة حماس” ؟و هل ستسعيد جميع المختطفين الإسرائيليين؟ . ما تنشره وسائل الإعلام والمحللين العسكريين الاسرائيليين الآن، هو تشكيك

بنجاح الجيش الاسرائيلي  في “عمليته”، وتهديدات بمناورة برية في جنوب القطاع، وفي خان يونس تحديداً. الحجة طبعاً هي “تواجد قادة حماس في أنفاق هناك”. يشير المحللون إلى أن هذه العملية ستستغرق أشهراً لكنها ستواجه صعوبات. في هذه المنطقة حسب قولهم، تتجمع قدرات حماس العسكرية كلّها، تلك التي لم تتضرر. لكن هل يتجاهل الجيش الإسرائيلي تجمع قرابة مليوني مواطن، فيما بقي أقل من 80 ألف فلسطيني في شمال القطاع حسب التقديرات. 

الحرب أداة سياسية وليست لمكافحة الأوبئة والآفات، وإلى الآن لا يوجد  عتبة “موضوعية” يؤدي تخطيها إلى القضاء على حركة “حماس”. تدمير القطاع لن يحقق ذلك، كما أنه إجراء متفق على أنه “إبادة”. حالياً لا منازل لمئات الآلاف، ولا بنية تحتية ولا عمل، ومهما وصل حجم التدمير   في غزة، وبغض النظر عن عدد القادة  الكبار  الذين تم قتلهم، هناك دائماً من سيتولى القيادة، وهذا ما لا تستوعبه إسرائيل.

هناك وهم في إسرائيل مفاده أنهم يحرزون تقدماً، لكن التقدم في المعركة معناه المزيد من التدمير، والمزيد من الشعارات والكلمات التي تدعي تحقيق هدف لا يمكن تحقيقه، سواء أطلقوا عليه “القضاء على حماس” أو “تدمير التهديد  القادم من غزة”. الآن لا يوجد سوى الموت والدمار  وقتلى من الفلسطينيين في غزة (عشرات الآلاف)، وانتشار للأوبئة، ولاجئون دمرت حياتهم.

يجب أن تتوقف هذه الحرب الهمجية، لأن الحرب التي لا تحقق هدفاً، تدوم إلى الأبد. لا بد من ترك غزة المدمرة تتنفس، والاعتراف بحق الفلسطينيين بتقرير المصير والاستقلال، وهذا وحده ما يسمح بالحياة والمستقبل. 

إسرائيل ستستمر في قتل الفلسطينيين في غزة،  بالتالي كيف سيعود النازحين إلى منازلهم إذا لم يكن هناك “إنجاز عسكري” على شكل “هزيمة حماس”؟. الإبادة لن تحقق هدفاً، إذ لا توجد طريقة لتدمير القدرات العسكرية لحماس أو حركة حماس نفسها. وهذا ما يقوله عدد من المعلقين الإسرائيليين الذين يتمتعون  بموضوعية ما.

غزة تحت الحصار، ومغلقة  بالقفل والمفتاح، وإسرائيل تتظاهر بأنها  لا ترى ذلك، ولا تعترف بأنها تحتل القطاع. لكن هل هذه السياسية هي ما سيعيد الأمن لإسرائيل ؟. الحرب بلا هدف ليس لها حدود ولا نهاية. إلا إذا كان هدف الحرب هو تدمير أكبر عدد ممكن من البيوت وقتل أكبر عدد ممكن الفلسطينيين.  لكن قوائم بأرقام الموتى والبيوت المدمرة، حتى لو كانت بلا نهاية،لا يمكن اعتبارها نصراً.

ليس صحيحاً أن “الإبادة” في غزة هي ناتجة عن  الغضب والألم جراء ما جرى في السابع من أكتوبر، والإدعاء أن هناك تهديد وجودي لإسرائيل. برأيي وهذه الوحشية ونزع الإنسانيّة عن الفلسطينيين وخطاب الإبادة لدى النخبة  السياسية والعسكرية، مُحركه  الفشل الكبير، ومحاولة الانتقام لكرامتهم وفشلهم في قراءة قدرات الفلسطينيين على كسر غطرسة إسرائيل.

  • نُشرت أولا في موقع درج، ونقلت عنهم مع المصدر (هنا)
تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *