أسير في شوارع رفح القريبة من مكان نزوحي، بيانس الصلاة، ٱمشي وحدي، لم أعد أعبأ بشكلي وأنا أحمل كيسا قماشيا فيه خبز اليوم، تذكرت وأنا عائدة لغرفتنا اهتمامي الكبير بأناقتي، سراويل الجينز وقمصاني الملونة وشنط الكروس المفضلة، تذكرت كيف كنت أميل للأحذية ذات اللون الأبيض مؤخرا، تذكرت كيف ٱننا لم نحضر ملابسنا الشتوية ولم نجد في السوق مانشتريه أيضا، فأعارتني أختي جلبابا شتويا دافئا أرتديه في نزوحاتي الأخيرة.

رغم غربتنا الصغيرة إلا أننا نحاول الاستمتاع بكل اللحظات المؤقتة، حين أنظر في وجوه المارة، أو أتعرف إلى أشخاص جدد، وكلمات جديدة، أكلات ووصفات جديدة، أتأمل في البيوت والطرقات، في الشوارع والزحام الذي لم تشهده رفح في تاريخ أسواقها أبدا، عندي ذكريات كثيرة في بيوت الآخرين، وحتى حين اضطررنا للبقاء في الشارع، أحلناه إلى نزهة على الرصيف.

اللغة ضحلة ومتراجعة، والتعابير مالحة مثل المياه التي نشربها، لا مجال لرفاهية الكلام، وتنميق العبارات، الشهداء لا يقرأون كلامنا، والجرحى متعبون، ربما من يقرأ هذه الأيام نازح مثلي، أو صديق متضامن خارج البلاد المنكوبة، لا يهمه جودة اللغة، بقدر ما يهمه ما نكتب وما نقول، وربما يتعجب من قدرتنا على الكلام في ظل كل ما يحدث من تعجيز لأسباب الحياة.

الرغيف الذي أحمله معي مثل وجه الأرض، لونهما متحدان وملتصقان، والقادم من جوع الأرض وهي تلتهم الشهداء والبيوت، يفهم جوع الإنسان وهو يعرف ٱن الأرض ستأكله قريبا، فيأكل رغيفه مطمئنا، وهو يبني نسيجه من لحمها، كي يلتحما معا في نهاية المطاف، فالرغيف والإنسان والأرض، كلهم يصبون في عجين الحياة مثل أسطورة ستخرج من باطن الأرض، ومن جذور الأرض.

في الحقيقة أنا لستُ إلا كاتبة هاوية، ليس عندي عضوية في اتحاد الكتاب، ولم أصدر كتابا أدبيا، لكنني أعرف جيشا من الكُتاب الصغار، دربت أطفالي كثيرا على الحرية، قلت لهم أن الكلام لا يميت، وأن الكتابة قوة، فلا تتركوا من بين أيديكم هذه العصا الساحرة، فإما ٱن نكون أو نكون.

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *