أتساءل، هل سأظلّ حياً، وأعود إلى حبيبتي غزة في يوم من الأيام؟ هل سأعود لفعل الأشياء البسيطة التي أحبّ؟

‎المشي الطويل في شوارعها والجلوس أمام بحرها في ساعة صباح، وأن أتأمّل زرقة البحر الواسع وفضاء السماء الكبير، علماً أن السماء والبحر هما منفسنا الوحيد تجاه العالم كله؟

‎هل سأعود إلى أن أستمع إلى الموسيقى في حضرة البحر ليلاً جالساً مع الأصدقاء، نتحدث ونضحك ونسخر من العالم، نغنّي ونحكي إلى أن يطلع علينا الصباح؟

‎هل سأجلس ثانيةً في ذلك الكافيه الذي يقدّم تلك القهوة الرهيبة وكيك النوتيلا الساحر، وأشعر أني في أجمل مدن العالم؟ هل سأعود لأجلس مع أمي لنحضر الغروب عند البحر، فنرى الشمس وهي تعوم في البحر، ونحتفل بهذا المشهد الذي تحبه أمي كثيراً، ويعني لها أجمل مشهد في الحياة؟ هل سنسير في الليل بأيام البرد، ونشعر بالهواء الخفيف يلسع خدودنا، ونلامس رشات المطر بأيدينا؟

‎هل سنعود نتمشّى على مهل في حي الرمال، ونعيش أجمل لحظات حياتنا في سوق عمر المختار؟ هل سنعود إلى وجبتنا المفضلة- سندويش فلافل بالفلفل الحار من عند السوسي ثم براد الليمون من عند بوظة كاظم- وذلك أشهى مزيج في العالم؟

‎هل سندرس مجددا في الجامعة، ثم نجلس في حديقة الكتيبة، نشاهد الاخضرار الناصع في العشب، ونستنشق الأوكسجين النقي، ونشغّل التكييف الطبيعي القادم من الشجر والبحر كما يقول عم أبو أحمد الذي يعد لنا الشاي؟

‎هل سيعود الرجال إلى الذهاب إلى ميناء غزة عند السادسة صباحاً لشراء السمك طازجاً فور خروجه من البحر؟ هل سنأكل مجددا من سمك بحرك يا غزة، فتصيبنا التخمة ونملأ بطوننا إلى ما لانهاية وتغمرنا السعادة؟

‎هل سنعود إلى أخذ جولة في ماء البحر الحرّ عبر حسكة في الميناء؟ هل ستعود تلك العائلة الطيبة الممتدة من الجد إلى الولد إلى الذهاب إلى البحر بباصٍ كبير يوم الجمعة صباحاً، ويمكثون حتى الليل، فيحتفل الأطفال ويسبحون حتى يلامس روحهم الملح والرمل، ويلعبون ويفرحون حتى التعب؟

‎هل سأعود إلى رياضة المشي صباحاً أمام البحر، دون أن يلتقطني أي صاروخ؟ هل سأعود لأحلم بأن أصبح بطل الأبطال في ذلك الجيم الفخم الذي أحب، ثم أذهب للتسوق من أجمل مول في العالم-كيرفور؟

‎هل سأعود واعتبر أن غزة تكفيني من العالم عن المدن كلهم، وأن إمكانياتها البسيطة كافية جداً لحياةٍ كاملة التكوين؟ هل سأعود لأن أكره الغربة، وأحاول أن أكون قريباً من الأب والأم والشجرة والبيت؟

‎هل سنعود إلى أن نمشي في الطرقات، دون أن نخاف بأن نتعثر بجثةٍ في الشارع أو بشجرةٍ مكسورة أو عمارةٍ نائمة على الأرض؟ هل سنعرف أن نسير في الشارع بأسفلت مستوٍ، وليس على حجارةٍ متكسرة؟ يا الله، هل سنصحو من كابوس الحرب الطويل، ونعود إلى غزة؟

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *