عندما درست في معهد البوليتيكنيك في مدينة الخليل، كانت لدينا مادة “تدريب ميداني”، وتقتضي أن نخرج فيها إلى أبنية تحت الإنشاء لنرى كيف يتم تطبيق الخرائط على الواقع، وفي عام 1985، توجهنا من الخليل إلى غزة كي نشاهد إنشاء “مركز رشاد الشوا الثقافي” والذي كان تحفة فنية معمارية، كلفت خرائطه وحدها ما يقارب 150 ألف دولار، وهو مبلغ هائل في تلك الحقبة.

هذا المركز، كان من أجمل وأرقى وأفخم المراكز الثقافية على مستوى فلسطين، مبني كله من الخرسانة دون تدخل من أي مادة أخرى، فتبدو لك الخرسانة في واجهة الحيطان، يحتوي على مسرح كبير “800 كرسي”، وخشبة بمواصفات عالمية، إضافة إلى قاعة تتسع لـ 400 كرسي آخر يمكن فتح الباب السحاب بينها وبين قاعة المسرح لتصبح القاعتان قاعة واحدة، ، ولطالما عرضنا عليها مسرحياتنا، وكانت آخرها مسرحية “الأميرة النائمة” التي كتبها عاطف أبو سيف، وكتبتُ أغنياتها ولحنها محمود العبادي وأنتجها مركز القطان للطفل.

يتكون المبنى الطويل من طابقين، بسقف مثلث، يضم المركز داخله مكانًا للاجتماع حيث يلتقي الناس للاحتفالات، ومكتبة تسمى “مكتبة ديانا تماري صباغ”، ومسرح. صمم المبني المعماري البريطاني السوري المولد سعد أسعد محفل. ينتمي التصميم لمدرسة ما بعد الحداثة، حيث يتكون هيكل المبنى من الأسمنت الخام والزجاج. وفي عام 1992، رشح المبنى للحصول على جائزة الآغا خان للإبداع في الهندسة المعمارية.

وفي الطوابق السفلية تجد مطبعة “الشوا” التي كانت تصدر الكتب بأفخم شكل ممكن، وطالما طبعنا فيها مجلة “عشتار” التي أصدرها عثمان حسين وفايز السرساوي وأنا، ومجلة “رؤية” البحثية التي رأس تحريرها زياد عبد الفتاح، وكنت مدير تحريرها، والعديد من الكتب التي أصدرتها الهيئة العامة للاستعلامات حول يوميات انتفاضة الأقصى.

كانت قاعات المركز هدفا للاجتماعات الهامة، الثقافية منها والسياسية، فقد عقد فيه الرئيس الأمريكي كلينتون اجتماعاته مع القيادات الفلسطينية حين زار غزة، وأقيمت فيه معظم الاحتفالات المهمة سواء تلك السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية.

يقع المركز في مكان لا يمكن أن يوجد أجمل منه كموقع في غزة، فعلى مستوى الشوارع، يحده من الجنوب شارع عمر المختار، ومن الشمال شارع فرعي يقود إلى المجلس التشريعي، ومن الشرق يحده المجلس التشريعي وشارع النصر، ومن الغرب مبنى المرور الذي يجاوره من الشمال مستشفى الشفاء.

لا أحد في غزة لا يملك ذكريات مع هذا المركز، وبالتالي، لا أحد في غزة اليوم لم تُبتر أجزاء من ذكرياته بسبب ذهاب هذا المركز إلى العدم.

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *