في يوم 31 ديسمبر..ومن 9 أعوام، كان كتبُ كتابي
كان يوم خميس، وعندما ذهبنا إلى المحكمة وجدناها مُغلقة وهم في إجازة، وقالوا لنا تعالوا يوم الأحد، فقلنا لا بأس! ولكنّ بلال لم يقبل بذلك، ووقف مع رجل وسأله: “وين بيت القاضي!”، وبأسلوبه الفكاهيّ وسحره علم مكان البيت، وجاء يقول لنا هيّا إلى منزل القاضي! أهلي وأهله قالوا لا داعي للاستعجال، بإمكاننا الانتظار ليوم الأحد، لكنّه قال: “توكلوا ع الله..يلا ع دار القاضي”، وبدأ الجميع بالضّحك.

وبالفعل ذهبنا إلى بيت القاضي، وعقدنا قراننا هناك، في يوم الخميس المُوافق [٣١/١٢/٢٠١٤]، وكان آخر يوم في السّنة، وعندما سأله القاضي: “هل توافق أن تكون نور زوجة لكَ؟”، رفع يديه عاليًا وقال: “أكيييد موافق!”
كلّ الحاضرين ضحكوا من إجابته، وأنا قلبي كان كاد أن يتوّقف من الفرح ومن الخجل، ومن كلّ المشاعر الجميلة. وكان ولا زال هذا اليوم هو أحلى يوم في عُمري كله، أُحبّه كثيرًا لأنه جمعني بأجمل وأغلى شريكٍ في الدّنيا، ولا أنسى أبدًا أيّ تفصيلة صغيرة من هذا اليوم المميز، أو حتّى باقي الأيّام والأوقات معه.

يا بلال، أكرمتني ودللتني وأحببتني وأحببتكَ أكثر في كلّ يوم، وأكبر شاهدٍ على قصّة حبّنا الجميلة هُم أولادنا الثّلاثة: حُسام ويوسف وعلوش.
ذكرياتي الجميلة معكَ من بداية الطريق ستكفيني لأكمل حياتي كلّها مغمورةً بحُبّك وحنانك وقيمتكَ، وستكفيني بإذن الله.
في حياتي كلّها لم يخطر لي أننا سنبتعد عن بعضنا البعض، وكان بلال في كلّ مرة يسافر فيها أحاول أن أخبئ دمعاتي عندما يسألني أحدهم: “كيف أنتِ والولاد؟ وشو عاملين؟”، هذا وكان سفره لشهر أو اثنين فقط، وليس لمدّة طويلة. أعيشُ في الغُربة وأنا بين أهلي إذا ابتعد عنّي قليلًا، وأعيش على أطلال عودته، وأعدّ الأيّام وهي تمضي وأُصبّر نفسي وأقول: هانت..تبقّى ٢٣ يوم..تبقّى ٢٢ يوم..تبقّى 20 يوم..وهكذا!

وقبل أن يعود إلينا فإنني أكون في حالة يُرثى لها، حتّى إذا عاد ووصل إلينا عادت إليّ البهجة من جديد، وأضاءت البسمة وجهي ولمعة العينين. كنتُ أحاول أن أخفي ضحكتي التي لا تخفى على أحد، وذلك عندما يأتي الأهل ليهنئوه بعودته بالسّلامة، وكنتُ عندما ألمح أحدًا ينظرُ في عينيّ أخفض بصري، كنتُ أخاف أن يرى أحدهم البريق ويلاحظ مدى سعادتي وفرحي والنّور في وجهي بقدومه. وكنتُ أخجلُ من حبّي الواضح، وأحاول أن أُداريه، لكن “الشّمس ما بتتغطى بغربال”

كانت حياتنا جميلة وكنّا سعداء، ولكنني أُشهد الله أنني راضية ومؤمنة بقضائه وقدره، ومؤمنة أنّه سبقنا إلى جنان النّعيم بإذن الله، وأنّه عاش بطلًا وهو يُساعد النّاس ويسعفهم ويخفف آلامهم، وأنّ شهادته شرفٌ عظيم يُورّث!
لكنّ الفراقَ واللهِ صعب..صعب جدًّا أن نُحرم من طلّته البهيّة ووجهه الجميل وصوته وضحكته ومزحه وحنانه ورائحته ووجوده في حياتنا، صعبٌ أن أتقبّل الفرح في أيّ مناسبة أو نجاحٍ من دونه، صعب.

كلّي ثقة بالله أنني سأكون على قدر المسؤولية، ولكنّ البعد والفراق عنه الذي أبغضه للغريبِ قبل القريب، هذا ما أدعو الله أن يُعينني عليه!
وربّنا رحيم حنون سيحفّنا برعايته ولُطفه، وسيرزق قلبي الصّبر على البُعد المؤقّت حتّى ألحقك بكَ.

الملتقى في الجنّة يا قَلبي..بتلبقلك الشّهادة يا نور العين.
يا ربّ أفرغ عليّ صبرًا، وارزقني رؤيته في منامي دائمًا يا الله.

بلال أبو سمعان، مدرّس للتربية البدنيّة في المدرسة الأمريكيّة الدوليّة في غزّة، ومتطوّع في المُبادرات الإنسانيّة، استشهد أثناء قيامه بواجبه الإنسانيّ ومحاولة إنقاذ المصابين في تاريخ 17 ديسمبر 2023

[الوصف مأخوذ من Untold Palestine]

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *