ليس مجرّد إبريق شاي، عندما أرى إبريق شاي تنسرد الذكريات في عقلي تباعاً، منذ طفولتي و حتّى بلوغي الخامسة و العشرين من العمر. إبريق الشاي يُذكرني بالصفّ الأول الابتدائي و أيام مدرسة الأونروا، مدرسة الشاطئ و، و من ثم الشاطئ ج، و الرمال، جميع هده المدارس تقبع في شارع الوحدة القريب من مخيم الشاطئ. مخيم الشاطئ يدوره هو مخيّمٌ للاجئين في غزّة، سُمّيوا لاجئين لأنهم سكنوا الأراضي التّي تم احتلالها عامي ال 1948 و 1967. على كل حال.

أنا بدوري أُحب شوارع هذا المُخيم و أعرف زوايا أزقّته جيداً، فكنت أطبع خطواتي كل يوم على أرض المخيّم، مشياً من بيتنا القديم في شارع النصر، مروراً بشارع حميد، باتجاه مخيم الشاطئ إلى مدارس الوكالة. كانت صديقاتي تسكُنّ هذا المخيم، كُنا نجري و نلعب على أرصفته، و نشتري السكاكر من باعته البُسطاء. أذكُر بائع قصب السكر الذّي كان يُعلّق سيقان القصب على باب محلّه المُلتف في زاوية الشارع الرئيسي.

أمّا عن الشاي، الشاي هو مشروبي المُفضّل، كانت أُمّي تعدُّه لنا بالميرمية ذات العطر الشافي، أو النعنع المقطوف من النبتة المتربّعة في بلكونة منزلنا. أُمّي تحب النباتات و الورود، كانت هديتها المفضّلة نبتة جديدة تسكُن بجانب أخواتها في الحوض البُنّي المدوّر.
الشّاي مرتبط بفطورنا الفلسطيني، و بأيّ جلسة عائلية، تجدُهُ أيضاً متمركزاً في طاولات المقاهي بجانب الشيشة أو الدخان. هو شكل من أشكال الثقافة الفلسطينية خاصّة و التربية عامةًّ.

أخبرتُ صديقتي البريطانية “جين” في الجامعة بأنّني أصنع إبريق شاي من الطين، نعم من الطين، ف الله خلقنا من الطّين، و مُوخراً تحوّلت مدينتنا إلى طين فامتزج طين غزّة بطين خلق الله في أجساد الغزّيين العارية و النازفة.
كانت جين تعتقد أنّني أصنعه تيمُناً بالثقافة البريطانية التّي يُعرف فيها “وقت الشاي” الخاص من اليوم و يُعتبر وقت مُميز للاجتماع و تبادل الحديث. و لكنّني أخبرتها بكُل هذا، أخبرتها أن وقت الشاي هُو وقت عائلي و مناسبة دافئة تحمل في طياتها من الآلآم و السعادة و الحياة الكثير الكثير.

أمّا عن هذه الصّورة، فهي في مكانٍ بعيدٍ كُل البعد عن غزّة، قريبٌ منها جوهرياً، ولكنها نفضت ذكرياتي نفضاً و أيقظتها، ليالي انقطاع الكهرباء، الشاي مع الشمع و صوت أُمّي، انتظار أخبار الهدنة، تناول فطور الصباح مع الفلافل و الحمص في ساحة جامعة الأزهر، أوّل كأس شاي في أول عمل لي في غزّة، و الشاي قبل كُل ساعة دراسة على مكتبي المُكدّس بالكتب، و الشاي في بيت جدّتي ننام عندها مُتراصّين مُلتصقين ببعضنا البعض أنا و أخواتي.. ذكريات لا تنتهي، أيننا من غزّة و ذكرياتها!

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *