يزن: ماما يعني ما في خبز نأكل؟
رنا: لا يا ماما، هلأ راح أسلق بطاطا ونفطر
هكذا كان الحديث الصباحي بيني وبين ابني يزن الذي لم يبلغ السابعة من عمره بعد، وهو الذي يعيش أيامًا عن سنوات وعمر من القهر والجوع، حديث صباحي انتهى وانتهى معاه آخر أربع حبات بطاطا موجودة بالبيت، آخر طعام موجود ممكن يسد جوعنا.

اليوم هو 132 من العدوان الجائر على أهالي غزة العزة، خرجت بعد أداء فريضة الجمع لصلاتيّ الظهر والعصر، ذهبت أجوب الشوارع وأحاول إيجاد أي شيء لتناوله، لأسد فيه رمق الجوع في أمعاء أبنائي الخاوية، أمشي وأنا ألتفت هنا وهناك لعلي أجد شيئاً أسكت فيه جوع أطفالي، لكن لا شيء!

كل ما تبقى في غزة هو القهوة وحلوى للأطفال بطعم القهوة، حاولت وحاولت تعبت وأنا أمشي ولم يبقى في جسدي المنهك شيء يعولني لأستنفذه وأجوب الشوارع أكثر لعلي أجد فيها ما يُؤكل، لكن دون جدوى.

وقفت أمام طفلة صغيرة تبيع القهوة وحلوى القهوة دفعت 60 شيكل، أي ما يعادل 17 دولار أمريكي، اشتريتها لكي أحاول أن أسكت جوع أبنائي، التي كانت بالأصل لا تعادل الخمس دولارات.. غلاء فاحش جنوني وشحٌ في الأسواق، لم يعد هناك أي شيء لم يطله الغلاء الجنوني في الأسعار سوى “الجرابات” و”الألعاب” اشتريتها لأبنائي، في محاولة مني أن أشتت انتباه جوعهم بأي شيء كان.

ثم عدت أدراجي أحاول محاولة أخيرة لأن يطول ناظري أي شيء يُؤكل، لكن.. لا شيء.. لا شيء.. تنهدت وقطعت الشارع عائدة بقطع الألعاب والجرابات وحلوى القهوة.

ربما الآن وبعد أن أمضيت الأربع شهور من العدوان في شمال الوادي أشعر بالندم لأنني رفضت الخروج والانصياع لأوامر جيش الاحتلال، ربما هو ليس شعور الندم ربما هو الجوع، أي حرب هذه التي يصارعنا بها المحتل لكي يقهرنا أي دناءة من العقوبات هذه التي يفرضها على مئات الآلاف من الصامدين الصابرين فوق ركام بيوتهم.

استغفرت الله واستعذت به من الشيطان ومما توسوس به نفسي، لا لن أخضع ولن أركع ولن أتزحزح مهما فعل هذا العدو الجبان، حتى وإن مت جوعاً، حتى وإن متنا جميعاً جوعاً، سنكون متنا جوعاً ولكننا أطعمنا زقوم جهنم لجيش يَدّعي أنه الأقوى، أطعمناه مرارة صمودنا وثباتنا، أطعمناه خساءته ودناءته التي ضاقت به ذرعاً أمام صمودنا.
سنموت هنا صموداً وشموخاً وعزةً لا جوعاً.

تشارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *