مذكّرات شاهد على الحرب كطبيب من مشافي غزة



الوقت المقدر للقراءة: 5 دقيقة
منذ 10 أشهر

لقد رأيتُ كلّ ذلك يا الله، رأيت الناس وهم يهرعون إلى المشفى من بعد القصف، وهم ملطخون بالدم والرمل والرماد، رأيت وجوههم وهي غارقة بالذهول من هول الحدث وكأنَّهم لا يعلمون من هول الصدمة ماذا حدث للتو، رأيت أجسادهم وهي تتوقف عن التنفس لأن دخان الحريق قد تسرَّب إلى حناجرهم، أو لأن الفولاذ قد مزّق لحم صدورهم.

رأيت أجساداً تأتي وهي تنفث غباراً وكأنها قطعة إسفنج مغموسة في الرماد، رأيت أطفالاً ينزفون ويغرقون في الغيبوبة لأن حجارةً ثقيلةً جاءت على رؤوسهم الضعيفة، رأيت أناساً قد تغيّرت ألوانهم وأشكالهم وأسماؤهم، حيث في لحظةٍ ما لا يمكن معرفة من هو المصاب، إذ يقولون: "نظّفوا وجهه من الغبار، لعلنا عرفناه" يفعلون، فيكتشفون أنه فلان، الطيب البسيط، إذ كان يجلس في منزله إذ لم يجد مكاناً غيره للهروب.

رأيت أمهاتٍ يركضن في الممرات، يبكين وكأن الدنيا قد انحسرت في قلوبهن، يلهثن بأسئلةٍ عارمة، ويصرخن: "عايشين؟ مين ضايل عايش؟وين ولادي؟ مليش غيرهم يا الله"

رأيتُ أشخاصاً يحتارون في أعداد الضحايا -من كثرتهم- "كم أحصينا اليوم من الموتى؟ هل أخطأنا في العد؟ قلت لك/ في الساعة الأخيرة، جاءت طفلتان شهيدتان، طفلان نزيف في الرأس، عشرة شبان جاءوا بلا علامات حيوية في ضربة واحدة على أقل تقدير، كتل من اللحم (أشلاء) في كيسٍ صغير، ورؤوسٌ مفتوحة يظهر منها الدماغ"

سمعت أصوات الفاقدين وهم يصرخون بأقوى ما يقدرون حتى تنجرح حلوقهم ويمزِّق صوتهم الهواء، يصرخون في أذن الشهيد:

"إلى أين ذهبتَ وتركتَني؟ من سيبقى لي من بعدك؟"

"لم تخبرني أنك ستذهب، كان من الممكن أن تخبرني لأودعك" تشعر أن أصواتهم تخرج جريحةً من جوف الروح، من قلبِ أعماق الروح الحزينة. سمعتُ أحدهم يقول "يا رب، نحن أناس طيّبون وغلابى، فلماذا يحدث معنا كل ذلك؟"

رأيتُ أناساً يناقشونك في الأخبار والسياسة ومصير الحرب ويتشاركون معك الأفكار، ثم يصبحون هم خبراً في الأخبار، رأيت زميلاً تسلِّم عليه صباحاً ثم تعزّيه بأهله في المساء، جلست مع أحدٍ كان يحدّث نفسه ويتساءل: "كل هؤلاء المصابين والشهداء كانوا مثلنا قبل ساعة، كانوا معنا قبل قليلٍ في الحياة، فمتى يا ترى سيأتي دورنا؟"

اقرأ المزيد

اقرأ المزيد من قسم شهادات


الوسوم

شارك


x